ابن عجيبة
558
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( يوم يأتي ) : العامل في الظرف : « لا تكلم » ، أو : اذكر ، مضمر . والضمير في « يأتي » : يعود على اليوم . وقال الزمخشري : يعود على « اللّه » ؛ لعود الضمير عليه في قوله : ( إلا بإذنه ) ، وضمير « منهم » على أهل الموقف المفهوم من قوله : ( لا تكلم نفس ) . يقول الحق جل جلاله : يَوْمَ يَأْتِ ذلك اليوم المشهود ، وهو : يوم الجزاء لا تَكَلَّمُ ؛ لا تتكلم نَفْسٌ بما ينفع وينجى في جواب أو شفاعة إِلَّا بِإِذْنِهِ تعالى ، وهذا كقوله : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ « 1 » ، وهذا في موقف ، وقوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ « 2 » ، في موقف آخر . والمأذون فيه هي الجوابات الحقية ، أو الشفاعات المرضية ، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة . ثم قسّم أهل الموقف ، فقال : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وجبت له النار بمقتضى الوعيد ؛ لكفره وعصيانه . وَ منهم سَعِيدٌ وجبت له الجنة بمقتضى الوعد ؛ لإيمانه وطاعته . فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ، الزفير : إخراج النفس ، والشهيق : رده . ويستعملان في أول النهيق وآخره . أو الزفير : صوت المحزون ، والشهيق : صوت الباكي . أو الزفير من الحلق ، والشهيق من الصدر . والمراد بهما : الدلالة على شدة الكرب والغم ، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه ، وانحصرت فيه روحه ، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير . قاله البيضاوي . خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي : سماوات النار وأرضها . وهي دائمة أبدا ، ويدل عليه قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ « 3 » ، أو يكون عبارة عن التأبيد : كقول العرب : ما لاح كوكب وما ناح الحمام ، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام ، وهذا أصح . وقوله : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ، للناس هنا كلام واختلاف . وأحسن ما قيل فيه ؛ ما ذكره البقاعي ، قال : والذي ظهر لي - واللّه أعلم - أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين ، وأن الشرك لا يغفر ، والإيمان موجب للجنة ، فكان
--> ( 1 ) من الآية : 38 من سورة النبأ . ( 2 ) الآيتان : 35 - 36 من سورة المرسلات . ( 3 ) من الآية : 48 من سورة إبراهيم .